ابن عجيبة

114

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : واذكروا أيضا حين قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ حين مللتم من العسل واللحم ، وملتم إلى عكركم السوء ، أي : مألوفكم وشهواتكم السيئة ، لأنهم كانوا فلاحين ، فقلتم : فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ، أي : من جنس ما ينبت اللّه فيها من البقل والقثاء والعدس والفوم والبصل ، قال موسى عليه السّلام : أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى وأخس من الثوم والبصل وغيرهما ، بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ من اللحم والعسل ، اهْبِطُوا إلى مصر من الأمصار ، تجدوا ما تشتهون ، إذ لا يوجد ذلك إلا في القرى والأمصار ، أو اهْبِطُوا مِصْراً التي كنتم فيها أذلاء مستعبدين ، تجدوا حظوظكم وشهواتكم ؛ لأن الحظوظ والشهوات منوطة بالذل والهوان ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، أي : ألزموها لزوم الدرهم المضروب لضربه ونقشه ، فالذلة : ضرب الجزية ، والمسكنة : فقر النفس وإن كان موسرا . وإنما ضربت عليهم الذلة والمسكنة لأنهم لم يرضوا بتدبير الحق ، ولم يقنعوا برزقه ، فكل من لم يقنع بقسمته وسلم من اتحاد رزقه ، خيف عليه من ضرب الذل والمسكنة ، وانقلبوا أيضا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ حيث نقضوا العهود ، وتعدوا الحدود ، فكفروا وطغوا وقتلوا الأنبياء بغير حق ، وسبب ذلك : تمردهم في العصيان ، فإن المعاصي تجر بعضها إلى البعض حتى تنتهى إلى الكفر ، والعياذ باللّه من سخطه وغضبه . الإشارة : كل من لم يقنع بالقسمة الأزلية ، ولم يقم حيث أقامته القدرة الإلهية ، بل جنح إلى حظوظه وهواه ، وحرص على تحصيل أغراضه ومناه ، قيل له : أتستبدل تدبيرك - الذي هو أدنى - بتدبير الحق - الذي هو خير - ؟ أتترك تدبير الحكيم العليم ، الرؤوف الرحيم ، إلى تدبير عقلك الضعيف الجاهل الخسيس اللئيم ؟ ! فعسى أن تدبر شيئا يكون لك فإذا هو عليك . وعسى أن تأتيك المسار من حيث تعتقد المضار ، وتأتيك المضار من حيث ترتجى المسار . ولله در القائل : وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه ، * فلا زلت لي منى أبرّ وأرحما عزمت على ألّا أحسّ بخاطر * على القلب إلّا كنت أنت المقدّما وألا تراني عندما قد نهيتني ؛ * لكونك « 1 » في قلبي كبيرا معظّما

--> ( 1 ) في المخطوطات الثلاث ( لأنك ) .